ابن أبي الحديد

171

شرح نهج البلاغة

ومن ذلك قول إبراهيم على ما حكاه تعالى عنه في قوله : " إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا . يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا . يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا . يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا " ( 1 ) ، فطلب منه في مبدأ الامر السبب في عبادته الصنم والعلة لذلك ، ونبهه على أن عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئا قبيحة ، ثم لم يقل له : إني قد تبحرت في العلوم ، بل قال له : قد حصل عندي نوع من العلم لم يحصل عندك . وهذا من باب الأدب في الخطاب . ثم نبهه على أن الشيطان عاص لله ، فلا يجوز اتباعه ، ثم خوفه من عذاب الله إن اتبع الشيطان ، وخاطبه في جميع ذلك بقوله : " يا أبت " استعطافا واستدراجا ، كقول علي عليه السلام : " يقول لك ابن خالك " ، فلم يجبه أبوه إلى ما أراد ، ولا قال له : " يا بني " بل قال : " أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم " ، فخاطبه بالاسم ، وأتاه بهمزة الاستفهام المتضمنة للانكار ، ثم توعده ، فقال : " لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا " . قالوا : ومن هذا الباب ما روي أن الحسين بن علي عليهما السلام كلم معاوية في أمر ابنه يزيد ، ونهاه عن أن يعهد إليه ، فأبى عليه معاوية حتى أغضب كل واحد منهما صاحبه ، فقال الحسين عليه السلام في غضون كلامه : أبي خير من أبيه ، وأمي خير من أمه . فقال معاوية : يا بن أخي ، أما أمك فخير من أمه ، وكيف تقاس امرأة من كلب بابنة رسول الله ( 2 ) صلى الله عليه ! وأما أبوه فحاكم أباك إلى الله تعالى ، فحكم لأبيه على أبيك .

--> ( 1 ) سورة مريم 42 - 45 . ( 2 ) في المثل السائر : " وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من امرأة من كلب " .